ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
227
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
* ( باب ما جاء في أهل العلم المغترين ) * العلماء الذين أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتفقهوا فيها واشتغلوا بها وأهملوا الطاعات واجتناب المقبحات واغتروا بعلمهم أنهم عند الله بمكان فلو نظروا بعين البصيرة علموا أن العلم علمان علم بالله تعالى وصفاته وعلم بالحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها فهي علوم لا تراد إلا للعمل ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم فائدة فكل علم يراد للعمل فلا فائدة له إلا العمل فمثال ذلك كمريض به علة لا غنى به عن دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلا حذاق الأطباء فيسعى في طلب الطبيب بعد أن سافر عن وطنه حتى عثر على طبيب حاذق فعلمه الدواء وفصل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها التي منها تجلب وعلمه كيفية دق كل واحد منها وكيفية الخلط والعجن فيتعلم ذلك منه ويكتب منه نسخة حسنة بخط حسن ويرجع إلى بيته وهو يكررها ويقرؤها ويعلمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا هيهات لو كتب منه ألف نسخة وعلمه ألف مريض وكرره كل ليلة ألف مرة لم يغنه ذلك عن مرضه شيئا إلى أن يزن الذهب ويشتري الدواء ويخلطه كما تعلم ويشربه ويصبر على مرارته ويكون شربه في وقته وبعد تقديم الاحتماء وجميع شروطه فمن ظن أن ذلك يكفيه ويشفيه فقد ظهر غروره وهكذا الفقيه الذي أحكم علم الطاعات ولم يعملها وأحكم علم الأخلاق المحمودة ولم يتصف بها فهو مغرور قال الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 1 ) ولم يقل قد أفلح من يعلم كيفية تزكيتها وكتب علمها وعلمها الناس وعند هذا يقول له الشيطان لا يغرنك هذا المثال فإن العلم بالدواء لا يزيل المرض وإنما مطلبك القرب من الله وثوابه والعلم يجلب الثواب ويتلو عليه الأخبار الواردة في فضائل العلم فإن كان المسكين معتوها ( 2 ) مغرورا وافق ذلك مراده فاطمأن إليه
--> ( 1 ) سورة الشمس . ( 2 ) المعتوه اسم مفعول من عته عتها بفتحتين وعتاهية بتخفيف الياء من باب علم : نقص عقله .